السيد علي الطباطبائي
26
رياض المسائل
والتخريب والنهب والحرق في سائر مناطق العراق ما صنعه ببغداد لكانت أبعاد الكارثة أعظم مما حصل بكثير ، ومما يؤسف له أن الذين أرخوا هذه الفترة لم يعرفوا قيمة الدور الذي نهض به علماء الشيعة في هذه الكارثة من درء الخطر عن وسط وجنوب العراق . ولا نعدم من المؤرخين من حاول أن يفسر تحرك علماء الشيعة في هذه الفترة بهذا الاتجاه تفسيرا سلبيا مغاليا في السلبية مفرطا في سوء الظن ، وليس يعنينا من أمر هؤلاء شئ ، فإن أمثال هؤلاء كثير من الذين يحاولون أن يعكروا الماء ليصيدوا في الماء العكر . ولكن الحقيقة من وراء هذا أو ذاك أن علماء الشيعة حدوا كثيرا من ضراوة هذا الغزو وأنقذوا الكثير مما كان لا يمكن إنقاذه لولا هذا التحرك السياسي ، فقد استطاع المحقق نصير الدين الطوسي - رحمه الله - مثلا من إنقاذ الكثير من المدن العراقية من الغزو المغولي ، كما استطاع أن ينقذ الكثير من علماء بغداد ومدارسها ومكتباتها ، وقد سلم بفضل هذا العالم الجليل الكثير من التراث والكتب والمكتبات من سقوط بغداد . يقول محمد شاكر الكتبي في " فوات الوفيات " في ترجمة نصير الدين الطوسي : كان رأسا في علم الأوائل ولا سيما في الأرصاد والمجسطى فإنه فاق الكبار ، قرأ على المعين سالم ابن بدران المعتزلي الرافضي وغيره ، وكان ذا حرمة ومنزلة عالية عند هولاكو ، وكان يطيعه فيما يشير به عليه ، والأموال في تصريفه وابتنى بمراغة قبة ، ورصدا عظيما شرع في تأسيسه سنة 657 ، وجعل في الرصد دارا واسعة واستنبط آلات عديدة شريفة للارصاد ، واتخذ في ذلك خزانة عظيمة فسيحة الأرجاء وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد ( 1 )
--> ( 1 ) تعليقة السيد محمد صادق بحر العلوم على اللؤلؤة : ص 245 و 246 نقلا عن " فوات الوفيات " .